أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

241

العقد الفريد

وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يكتب إلى أصحابه وأمراء جنوده : من محمد رسول اللّه إلى فلان . وكذلك كانوا يكتبون إليه : يبدءون بأنفسهم ، فممن كتب إليه وبدأ بنفسه أبو بكر ، والعلاء بن الحضرمي ، وغيرهما ؛ وكذلك كتب الصحابة والتابعين ؛ ثم لم تزل حتى ولى الوليد بن عبد الملك ، فعظم الكتاب وأمر أن لا يكاتبه الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضا ، فجرت به سنة الوليد إلى يومنا هذا ، إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل ، فإنهما عملا بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم رجع الأمر إلى رأي الوليد ، والقوم عليه إلى اليوم . ختم الكتاب وعنوانه سبب ذلك : وأما ختم الكتاب وعنوانه فإن الكتب لم تزل مشهورة غير معنونة ولا مختومة حتى كتبت صحيفة المتلمس ، فلما قرأها ختمت الكتب وعنونت ؛ وكانت يؤتى بالكتاب فيقال : من عني به ؟ فسمى عنوانا . وقال حسان بن ثابت في قتل عثمان : ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به * يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا « 1 » وقال آخر : وحاجة دون أخرى قد سمحت بها * جعلتها للذي أحببت عنوانا وقال أهل التفسير في قول اللّه تعالى : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ « 2 » : أي مختوم ؛ إذ كانت كرامة الكتاب ختمه .

--> ( 1 ) الأشمط : المختلط سواد شعره ببياض . ( 2 ) سورة النمل الآية 29 .